“التطرف الديني” بين الحقيقة والاتهام في “تونس”

بسم الله الرحمن الرحيم

رأي هادئ حول قضية ساخنة
“التطرف الديني” بين الحقيقة والاتهام في “تونس”

–    الدكتور جلال الدين رويس

كثر الحديث هذه الأيام (*) –في بلادنا- عن “التطرف الديني”. والملاحظ أن خلطا كبيرا – عفويا أحيانا ومقصودا في أكثر الأحيان- يقع في الأوراق والمفاهيم مما أدى إلى توسيع العباءة التي ندرج تحت سمة التطرف الديني. فلا بد حينئذ من التوقف عند هذه القضية المهمة والحساسة حتى نجلو ما غمض منها ونرسم لها حدودا بينة…
يعرف “المعجم العربي الأساسي” التطرف بأنه تجاوز الاعتدال (كأنه الوصول في التصرف إلى الطّرَف) (1). وهو يكون في الدين أو الفكر أو السلوك. وهو يشمل بالتالي “التطرف الديني” و”التطرف اللاّديني” أيضا، ولو أنّ أغلب الحديث لا يدور إلاّ حول الموضوع الأول. فمن التطرف اللاّديني ما يعمد إليه بعض الرموز من الفكر العلماني بالإضافة إلى الأنظمة الاستبدادية التي ترتدي قشورا علمانية إلى الخلط التعمد في فهم “التطرف الديني” حين يتم تصويره تصويرا فضفاضا يشمل كل متدين، حتى أنّ كثيرا من أولئك الذين يعيشون في أوطاننا بأسماء إسلامية وعقول غربية يعتبرون مجرد الالتزام بأوامر الله ونواهيه تطرفا دينيا” (2). و”المتحلل من القيم الدينية يعتقد أن كل تمسك بالدين تطرف”(3). ومن المعلوم “أنّ مقدار تدين المرء، وتدين المحيط الذي يعيش فيه، من حيث القوة والضعف، له أثره في الحكم على الآخرين، بالتطرف أو التوسط أو التسيب” (4). ولكن لا يمكن بحال من الأحوال قبول اعتبار القيام بالشعائر والواجبات الدينية تطرّفا. بل “إنه ليس من الانصاف أن نتهم إنسانا بالتطرف في دينه لمجرد أنه اختار رأيا من الآراء الفقهية المتشددة، ما دام يعتقد أنه الأصوب والأرجح ويرى أنه ملزم به شرعا ومحاسب عليه دينا، وإن كان غيره يرى رأيا مرجحا أو ضعيفا” (5) “ومن حقائق الحياة أن الناس يتفاوتون في هذه القضية، فمنهم المتساهل الميسر، ومنهم المتشدد المعسّر، وقد كان في الصحابة المترخّص كابن عباس والمتشدد كابن عمر رضي الله عنهم.” (6). فليس من العدل أن نتهم أيا كان بالتطرف لمجرد أنه أطلق لحيته أو قبض يديه في الصلاة أو واظب على الصلاة في الجماعة بالمسجد أو رفض مصافحة امرأة أو امتنع عن الاقتراض من بعض البنوك أو التزم بالحجاب الشرعي للمرأة … ما دام كل تصرف من هذه التصرفات تعضده فتاوى واجتهادات معلومة ومتعددة!.
والذي نراه أنّ الأنظمة العلمانية تستعصي عليها فئات واسعة من مجتمعاتها متى وسّعت مفهوم التطرف الديني على هذا النحو الفضفاض، مما يضطر الكثير من المتدينين إلى التعاطف مع الأحزاب الدينية المنعوتة بالتطرف بحكم أنه محسوب عليها شاء أم أبى. والتيارات العلمانية المتباينة –وخاصة اليسارية منها- حتى ولو كانت من الأجنحة المخالفة لنظام الحكم العلماني القائم- تسهم في هذا الخلط وفي ذلك التهويل سعيا منها لمزيد من استعداء المسؤول على كل ظاهرة إسلامية. “ويستتر وراء التطرف المقصود في فهم التطرف الديني، التطرّف الفعلي لدى الأحزاب اللادينية يمينها ويسارها…إذ أن التطرف الفكري- والجسدي أحيانا- لدى التيارات العلمانية، قائم من قبل ظهور التطرف الديني. لاسيما أن التطرف العلماني ينبع من جذور الفكرة ذاتها (كالماركسية القائمة على اجتثاث كل ما عداها من أفكار ومؤسسات وأشخاص ) أو من خلال الجذور لمستوردة لتلك التيارات (كالأحزاب والشخصيات الليبرالية التي ترى أن الحرية الفكرية للجميع ما عدا الإسلاميين)”(7). ولذلك تحول الأمر في وصف الصوت المخالف بالتطرف شكلا من أشكال التعدي وحسم الخلاف السياسي بالتشويه والاتهام. لكأنّ الأمر أصبح بحثا في تبرير للإقصاء وتعبيرا عن الضيق والتبرم بالمخالف والخلاف!. ونحن نعلم أنه لا يمكن اعتبار مجرد مخالفة المألوف أو المتعارف عليه بين الناس في فترة زمنية معينة تطرفا. وإلاّ اعتبرنا كل محاولة تطوير في أي مجال اجتماعي أو علمي أو ثقافي أو سياسي تطرفا باعتبارها تخرج عما ألفه الناس. بل لاعتبرنا كل الأديان السماوية والدعوات الإصلاحية ضربا من ضروب التطرف. وهذا ما لا يمكن قبوله لأنه يعطل كل نفس تحرري ويمنع كل دعوة للتغيير والتطور الحضاري.
ولا يمكن لنا كذلك أن نعرّف التطرف الفكري بأنه محاولة فرض الرأي على الآخرين مع رفض محاورتهم حوارا منطقيا ومتكافئا. “فإن سمة لتطرف هذه تنسحب على معظم الاتجاهات العقائدية والسياسية الرئيسية في عالمنا المعاصر. ويغدو بالتالي قصرها على التيارات الدينية- الإسلامية بخاصة- جورا واضحا وحكما مسبقا ينقب عن مسوغات. إن الحركة الشيوعية تسعى لبسط سلطانها على العالم، ومثلها الحركة الصهيونية العالمية…وقل مثل ذلك في الرأسمالية الغربية التي تتخفى وراء قناع التعددية المظهرية…فضلا عن الأحزاب اليمينية واليسارية المتطرفة والمنتشرة في مختلف أنحاء المعمورة، ناهيك عن الأنظمة الاستبدادية في معظم البلدان النامية …”(8). ألم يقل هنريك ابسن : “أعظم الرجل شأنا هو الذي يقف –ولو لوحده- بجانب عقيدته. “، فما الغريب في ذلك إذن ؟!. بل الغريب أن يعتبر بعضهم نفسه ممثلا ومجسدا لحدّ الاعتدال في فهم الدين – الإسلام وتنزيله في الواقع المعاصر وينعت كل مخالف في هذا الفهم وهذا التنزيل –مهما كانت تفاهة هذا الاختلاف ومهما كان اتجاهه يمينا أو يسارا- بالتطرف. وهذا ما لا يمكن قبوله من جميع الأطراف، ولا معنى لاختصاص الإسلاميين –من دون غيرهم- بهذه الصفة بالرغم من اشتراك الجميع في المخالفة في الفهم والتعامل!. والغريب أن تتعالى صيحات الغضب والتشنج والويل والثبور والتهجمات المجانية على الإسلاميين واتهامهم بالتطرف لمجرد إبداء آراء مستندة على فهم للإسلام وتنزيله في الواقع، وكأن ليس لمتدين أن يبدي رأيا في شؤون المجتمع والسياسة ؟!. وكأن مجرد عدم الاقتناع ورفض هذه الآراء يعطيهم الحق في وصفهم بالتطرف فضلا عن صفات الرجعية والتعصب والظلامية وما إليها !!. وما نخشاه أن ينقلب مفهوم التطرف إلى مجرّد الضيق بالآخر والتبرم منه ومحاولة إقصائه بعد ذلك بكل ثمن!. وفي هذا من التعسف والحيف ما فيه كما بينا آنفا.
ولا يذهب الظن بالبعض أننا ننكر وجود ظاهرة “التطرف الديني” في عالمنا الإسلامي، ولكننا نحاول ضبط حدوده حتى لا تنجر عن تجاوزها ظلم وتسلط على أطراف معتدلة ومجانبة للتطرف فنحشرها –عفويا أو عن سوء نية وقصد- في هذه الدائرة. فما هي مظاهر “التطرف الديني”؟. يمكن تلخيصها في النقاط التالية (9):
1-    يتميز “المتطرف الديني” بالتعصب الأعمى للرأي وعدم الإعتراف بالرأي الآخر، و”جمود الشخص على فهمه جمودا لا يسمح له برؤية واضحة لمصالح الخلق، ولا مقاصد الشرع، ولا ظروف العصر، ولا يفتح نافذة للحوار مع الآخرين، وموازنة ما عنده بما عندهم، والأخذ بما يراه بعد ذلك أنصع برهانا وأرجح ميزانا.” (9). وإذا كان الإنكار على أصحاب هذا التصرف بيّنا وجليا، فإنّ إنكارنا على خصومهم ومتهميهم – وهو محاولة للحجر على آرائهم وإلغائها ومنع وصولها للناس- يكون أشد وإدانتهم في تصرفهم هذا أقوى. وإلاّ كانا في التطرّف سواء.
2-    التزام التشديد دائما مع قيام موجبات التيسير وإلزام الآخرين به وكأنّه واجب فرض حيث لم يلزمهم الله تعالى به. والتيسير لا يعني التسيب والتحلل كما أسلفنا.
3-    الغلظة في التعامل والخشونة في الأسلوب والفظاظة في الدعوة، خلافا للتوجه القرآني والهدي النبوي. بحيث عادة ما يتسم المتطرف بالاندفاعية الوجداني والسلوكية من دون تعقل واتزان.
4-    سوء الظن بالآخرين –المخالفين- والنظر إليهم من خلال منظار أسود، يخفي حسناتهم على حين يضخم سيئاتهم. فتجد الغلاة دائما يسارعون إلى سوء الظن والاتهام لأدنى سبب، فلا يلتمسون المعاذير للآخرين، بل يفتشون على العيوب “ويجعلون من الخطأ خطيئة ومن الخطيئة كفرا !!” كما قال الدكتور يوسف القرضاوي.، فتغيب حينئذ الموضوعية ويحضر الشك والاتهام والتفسير التآمري.
5-    ويبلغ التطرف غايته حين يسقط عصمة الآخرين، ويستبيح دماءهم وأموالهم، ولا يرى لهم حرمة ولا ذمة. وذلك إنما يكون حين يخوض لجّة التكفير، واتهام جمهور الناس بالخروج عن الإسلام، أو عدم الدخول فيه أصلا، كما هي دعوى بعضهم، وهذا يمثل قمة التطرف الذي يجعل صاحبه في اد، وسائر الأمة في واد آخر. وهذا يجعل المتطرف مستعدا لمواجهة كل اختلاف في الرأي بالعنف ويعمل على فرض معتقده على الآخرين ولو بالإكراه والتعنيف (مع ضرورة مراعاة التوضيح الآنف الذكر حول هذه النقطة)”.
فإذا ضمنَّا خلوّ طرف (10) من هذه الصفات والمظاهر، بحيث يقبل التعايش والتسامح من الرأي المخالف (التعددية)، ولا يكفّر أحدا ظلما وجورا، ولا يدّعي لنفسه امتلاك الحقيقة المطلقة بل يقبل التحاور وتبادل الرأي ومراعاة الواقع، ويعتمد في عمله ودعوته الحكمة والموعظة الحسنة والحسنى (في إطار حزب علني معترف به)، ويستنكر اعتماد العنف في حسم الخلافات السياسية والعمل السياسي (11) ولم يسجل عليه التاريخ لجوءه إليه كمبدأ واختيار… فما يمنعنا من قبوله، وتثمين جهوده وتوجهاته وحسن التعامل معه وتيسير الأمور أمامه. أمّا أن نتطرف في نعته بالتطرف دون دليل ولا حجة وإنما هو التعدي والظلم والنقل عن واقع مناطق أخرى من العالم الإسلامي – قد يكون وجد وترعرع فيها التطرف لأسباب تخصّها ولا تخصّنا بالضرورة- فهذا ممّا لا يساعد على الموضوعية والحكم الجدي السليم. إذ أنه كلما وجد تطرف إلا وكان إلى جانبه اعتدال يقاس عليه: فأين هو مقياس الاعتدال عندنا؟!. أهو الحزب الحاكم، أم أحد الأحزاب المعارضة، أم إحدى الحركات الإسلامية الأخرى، أم ماذا؟!…
إنّ كل متأمل ودارس موضوعي يغبط بلادنا –تونس- أن منّ الله عليها بهذه الحركة المباركة –حركة النهضة-، حركة معتدلة ومتميزة أضافت للساحة الإسلامية –وما تزال- إضافات مميزة قدّرها الجميع وشهدوا بتقدميتها وحسن توجهها. ولكن “لا ينبؤ نبي في قومه” كما يقال. والظاهر أن التطرف في فهم “التطرف الديني” في بلادنا قد زاد عن حدّه!، فهل من سبيل إلى الاعتدال والموضوعية، حتى نجنّب بلادنا النكبات لا قدّر الله!.

الهوامش:
1-    المعجم العربي الأساسي، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، لاروس، 1989، باريس، ص 791
2-    الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف، الدكتور يوسف القرضاوي، كتاب الأمة 2، ط 1، 1402، ص 36
3-    من تصريح للشيخ محمد المختار السلامي، مفتي الديار التونسية، لمجلة “اقرأ”، نقلته عنه جريدة “الفجر” عدد 2، ص 4،
4-     الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف (مرجع سابق)، ص 35
5-    ن.م.، ص 37
6-    ن.م. ص 37
7-    ينابيع التطرف الديني، منذر الأسعد، مجلة “المسلمون”، عدد 264، 2/23 إلى 1990/3/1، ص 7
8-    م.ن. ص 7
9-    استفدنا في هذا من كتاب: الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف، الدكتور يوسف القرضاوي (مرجع سابق)، ومقال: “المحددات الاقتصادية والاجتماعية للتطرف الديني: حالة مصر”، سمير نعيم أحمد، مجلة المستقبل العربي عدد 131، جانفي 1990، ص 111
10-    المقصود كل الحركات الإسلامية عامة و”حركة النهضة” في تونس بصفة خاصة
11-    انظر: أهداف حركة النهضة كما تضمنها الملف الذي قدم سابقا إلى وزارة الداخلية، جريدة الفجر عدد 4، 12 ماي 1990، 17 شوال 1410، ص 2

(*) كتبه د. جلال الدين رويس  بمساكن في 14 ماي 1990
وصدر بجريدة الفجر (السلسلة الأولى) عدد 12 بتاريخ 7 جويلية 1990

facebook

اترك تعليق